السيد الطباطبائي
28
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
ولعمري لو لم يكن في كتاب اللّه إلّا آيتان ، وهما قوله عزّ اسمه : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ « 1 » لكان فيهما كفاية أن يفهم الإنسان الحرّ حقائق هذه المعاني . فالإنسان إذا انتزع عن زخارف هذه الدنيا ، وأعرض عن عرض هذه الأدنى ، ووحّد الهمّ ، ووجّه الوجه نحو الربّ الأعلى ، وأشرف نحو عالم القدس ، شاهد عيانا أنّ هذه الأمور التي دارت بين أبناء الدنيا من المطالب والمقاصد والأغراض والآمال والآثار من الملك والأمر والعظم والرئاسة والتقدّم والعزّة والنسب والأنساب والأحساب ومقابلاتها ، وآلاف من أنحائها ، إنّما هي أمور موهومة ، وملاعب وملاهي ، وأمتعة الغرور ، وكذلك أنواع اللذائذ والنّعم والاستفادات التي يتنافس فيها المتنافسون ، ويعمل لها العاملون ، ويلتقي دونها المنون ، إنّما هي أوهام سخّر اللّه سبحانه عليها أرباب الحياة ليبلغ الكتاب أجله ، وللّه أمر هو بالغه . فإذا رأى هذا الإنسان أنّ الحقّ عزّ اسمه في كتابه ولسان رسوله والسنّة أوليائه ينسب إلى نفسه أنّه رحمن رحيم ، خالق مالك ، عزيز حكيم ، غفور شكور ، وأنّ له كلّ اسم أحسن ، وأنّه منزّه عن كلّ قبيح ونقص ، وهذا الإنسان يعلم أنّ هذه معان حقيقيّة ، ونسب وإضافات ثابتة ، أيقن بلطف القريحة ، وسلامة الذوق ، أنّ هذه النسب أنحاء قيام ذوات الموجودات بالحقّ عزّ اسمه ، وقيامه سبحانه بذاته . ثمّ أكّد له ذلك شهود الحقّ سبحانه على كلّ شيء بحسب خصوص ذاته أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ « 2 » . ثمّ قرّره على ذلك البرهان ، فإنّ النسبة الحقيقيّة الثابتة بحسب ذات الشيء ، كخلق الحقّ سبحانه ، وملكه لذات الشيء ، يجب أن تتحقّق في مقام الذات ،
--> ( 1 ) الدخان 44 : 38 و 39 . ( 2 ) فصّلت 41 : 53 .